اللغة، الموقع

اللغة، الموقع

مهارة

عناق دافئ وقلب نابض: أهمية التواصل الجسدي في نمو طفلك

11. Feb 2025

11. Feb 2025

سواء تعلق الأمر بدفء الأحضان، أو نعومة اللمسات، أو حلاوة القبلات، فإنّ الأوقات التي تقضيها مع رضيعك ليست مجرد لحظات عابرة، بل هي أساس حياة طفلك وبوابته للعالم خاصة في سنته الأولى على وجه التحديد.

وقد وصف العالم السويسري الراحل أدولف بورتمان (Adolf Portmann)، عالم الحيوان والأنثروبولوجيا، البشر ذات مرة بأنهم: "أطفال غير مكتملي النمو فسيولوجيًا،" فما الذي قصده بهذا التعريف؟ 

على عكس الثدييات الأخرى، فنحن البشر نأتي إلى هذا العالم في عجلة من أمرنا، كأننا نسابق الزمن! فنحن غير قادرين على البقاء دون رعاية على مدار الساعة في السنة الأولى من أعمارنا. السبب وراء ذلك كما كان ادعاؤه هو أنّ آليّات التطور جعلت من حوض أنثى البشر مكانا ضيقًا جدًا بحيث لا يسمح لرأس الطفل وجسمه بالمرور عبره بعد أكثر من حوالي 10 أشهر من النمو. لذلك قررت الطبيعة الأم أنّ البشر يحتاجون إلى المجيء إلى العالم في وقت مبكر قليلاً.

التلامس الجسدي: كلما زاد، كان أفضل

قد يراودكم السؤال التالي: "ما هو مرادنا من هذه المقدمة العلمية؟" والإجابة على تساؤلكم بسيطة للغاية. هذا التفسير البيولوجي يوضح مدى أهمية الوالدين لأطفالهم في الأشهر الأولى من الحياة. أيها الآباء والأمهات، أنتم العالم بأكمله لطفلكم في أشهره الأولى. وفي قلب هذا العالم يكمن التواصل الجسدي كدور أساسي في نمو الطفل مع التغذية السليمة وتغيير الملابس والاستحمام.

في الأسابيع الأولى، ستلاحظون أنّ طفلكم يتشبث بكم كأنكم شريان حياته الوحيد. وهذا بالضبط ما أنتم عليه خاصة الأم أو مقدم الرعاية! هنا يأتي دور حاملات الأطفال لتساعدكم في مهمتكم الصعبة هذه. تسمح لكم هذه الأدوات بإبقاء طفلكم على اتصال وثيق بكم لفترات طويلة. بالإضافة إلى ذلك، تتيح لكم إبقاء أيديكم حرة، مما يمنحكم حرية أكبر في إعداد الوجبات أو تحضير الحليب الاصطناعي، أو الاهتمام بباقي المهام الأخرى. إنها أداة مفيدة جدا سيشكركم عليها حتى ظهركم حينما يتعب. 

لكنّ الأمر لا يتوقف عند حمل الرضيع فحسب، فكل لمسة، وكل تدليك لطيف، وكل عناق دافئ أثناء الرضاعة، هو لبنة في بناء عالم طفلكم الآمن. أنتم تنسجون خيوطًا غير مرئية من الثقة والحب مع كلّ تفاعل جسدي. لذا احملوا رضيعكم برفق بين أذرعكم عند الرضاعة الطبيعية. وأظهروا له مدى ارتباطكم به. 

يطلق الخبراء على هذه العملية اسم بناء "الثقة الأولية". تخيلوا أنكم تزرعون بذرة صغيرة من الأمان العاطفي في قلب طفلكم. هذه البذرة ستنمو لتصبح شجرة وارفة من الثقة بالنفس والقدرة على رؤية العالم كمكان جميل ومليء بالفرص.

عناق من أول يوم: بداية رحلة العمر

أظهرت الدراسات أيضًا أنّ الأسابيع الأولى على وجه الخصوص ليست مجرد بداية حياة جديدة، بل هي أيضًا بداية رحلة التواصل الجسدي الأكثر أهمية، فللتواصل الجسدي المباشر (الجلد للجلد) تأثيرا إيجابيا بشكل خاص على نمو الطفل. وعليه ينصح دائما أن يوضع المولود الجديد على صدر الوالد أو الوالدة مباشرة بعد الولادة إذا أمكن. حتّى الأطفال الذين يحتاجون في البداية إلى دعم طبي خاص، مثل مواليد الحاضنة، فإنهم يُمنحون اتصالا جسديا وثيقا ومباشرا مع والديهم، ويتلقون إثر ذلك الدعم من الفريق الطبي قدر الاستطاعة. غالبًا ما يشار إلى هذه العملية أيضًا باسم الترابط (Bonding).

هل تعلمون أنّ التلامس المباشر يساهم في إفراز هرمون الحب المعروف بالأوكسيتوسين (oxytocin)، والذي يقلل من التوتر ويثير مشاعر ممتعة ومبهجة. لذلك أيها الأب أو الأم،  عندما تكون في المنزل أو في الحمام، احتضن صغيرك دون أيّ ملابس فاصلة بينكما. يمكنك وضع الرضيع على صدرك العاري. اسمحا لصغيركما بالاستماع إلى دقات قلبكما، وهو شيء كان طفلكما يسمعه بالفعل لمدة 40 أسبوعًا تقريبًا في رحم والدته. هذا الإيقاع المألوف سيكون بمثابة تهويدة طبيعية لطفلكما. بالطبع، قد لا يكون من السهل تطبيق هذا السبيل من القرب في كلّ ثقافة، ولكن تذكرا أنه في كلّ عناق، وفي كل لمسة حانية، أنتما لا تقدمان فقط الراحة والدفء لطفلكما، بل تبنيان عالما كاملا من الحب والثقة والأمان. فاحتضنا هذه اللحظات، واجعلاها أساسًا لرحلة أبوية مليئة بالحب والنمو الجسدي والعاطفي.