اللغة، الموقع

اللغة، الموقع

دراسة

طفلي الصغير - كيف تستكشف العالم؟

11. Feb 2025

11. Feb 2025

منذ اليوم الذي يخرجون فيه إلى الوجود، لا يسعى الأطفال إلى اكتشاف محيطهم فحسب، بل يسعون لاكتشاف أنفسهم أيضا. أمّا عن الأشهر الاثنا عشر الأولى على سبيل التحديد فهي فترة النمو الجسمي والحسي الأسرع لهم.

ولكن حاليا لنعد إلى فترة الحمل. في الحقيقة وبدءً من الأسبوع الخامس من الحمل، سيكون طفلك قد طور جميع حواسه تقريبا. يقول الدكتور جوزيف حدّاد، أستاذ طب الأطفال والولادات المبكرة في مستشفيات دولة ساحل العاج: "من العجيب أنْ تعرف أنّ الجنين في هذه المرحلة المبكرة، يمكنه التعرف على أصوات أمه وأبيه وهو لا يزال في الرحم، بل ويستطيع حتى التذوق عبر براعم التذوق لديه والتي تميّز بين النكهات الحلوة والحامضة في تلك المرحلة."

ثمّ يضيف: "ولكن المذاق الحلو هو الطعم المفضل لديه بالتأكيد، ويستمر هذا التفضيل خلال الأشهر الأولى بعد الولادة." يستخدم المولود حواسه منذ اليوم الأول، وخاصة في البدايات، حيث يعتمد بشكل كبير على حاسة التذوق والشم لاستكشاف محيطه الجديد. أمّا عن السمع واللمس فيلعبان أيضا دورًا كبيرًا في هذه المغامرة. ولكن يبقى البصر هو آخر هذه الحواس تطورًا.

دعونا إذن نستعرض بعناية تطور كلّ حاسة على حدة:

حاسة الشم

لو استطاع أطفال العالم التعبير عن تجربتهم مع الشم، وسُأِلوا عن ذلك، لأعرب كلّ فرد منهم دون تردد أنّ: "رائحة أمي هي الأفضل، هي العطر والمسك الذي لا مثيل له"، أو لعلهم يقصدون أنّ: "رائحة أمي هي الأكثر ألفة بين جميع الروائح." يعرف الأطفال رائحة أمهاتهم حقّ المعرفة حتى وهم أجنة، وعند الولادة تكون حاسة الشم لديهم قد تطورت جيدًا. "إذ أنّ الشم يساعد الأطفال على إيجاد توجهاتهم الخاصة في أيامهم الأولى،" كما يشرح الدكتور حدّاد. وفور وضعهم على صدر أمّهاتهم، فهم يشعرون بالسكينة التي تعززها رائحة أمهاتهم المألوفة، الأمر الذي يشعرهم بالأمان في بيئتهم الجديدة هذه. ولكن يرجى العلم أنّ رائحة المولود نفسه تأثر على سلوكه، ففي الأيام الأولى بعد الولادة، ما زالت رائحة السائل السلوي (amniotic fluid) المألوفة له أيضا والتي عاش فيها لنحو 40 أسبوعًا عالقة بجسده مما يشعره بالأمان. لذا يوصي الخبراء غالبا بعدم غسل المولود مباشرة بعد الولادة.

 

بالإضافة إلى رائحة الأم، يتعلم الطفل بسرعة روائح الأشخاص الآخرين كوالده أيضا أو مقدمي الرعاية، وعليه ينصح الأستاذ حدّاد قائلا: "لمساعدة طفلك على تذكر هذه الروائح، يرجى تجنب استخدام العطور أو المنتجات المعطرة أو منتجات الاستحمام، كما يرجى الحرص على الإكثار من الاتصال الجسدي المباشر معه." وعلى أقلّ تقدير من المهم جدا احتفاظ منطقة الصدر والثديين بالأساس على رائحة الأم، لأنها منطقة التواصل الأولى للطفل حيث يتوفر له الغذاء والراحة. لذلك، إن أمكن، يرجى استخدام الماء أو مواد الاستحمام غير المعطرة فحسب خلال الأسابيع الأولى. كما أنك سرعان ما ستتعودين على رائحة طفلك بالمثل، إذ يمكن للأمهات التعرف على أطفالهن بالرائحة وحدها خلال الأشهر الأولى.

حاسة السمع

أظهرت الدراسات أنّ الطفل يبدأ في الاستجابة الحركية للأصوات بدءًا من الأسبوع العشرين من الحمل. يشرح الأستاذ حديد قائلا: "ستشعرين بالتأكيد كأم حامل بهذه الردود خلال فترة الحمل، وعندما تلمس القدمان واليدان الصغيرتان الغشاء الداخلي لبطنك ستكون تلك تجربة مثيرة للاهتمام. وفي الحقيقة فإنّ الأصوات العالية قد تفزع طفلك مثلا، بينما الأصوات الهادئة واللطيفة قد تشجعه على الاستماع عن كثب."  

يستمع الطفل بتمعن أيضًا لدقات قلب أمه، وطريقة تنفسها، ونغمات صوتها. يسمع الجنين في بدايات تكونه في الرحم الأصوات ذات الطبقة العالية كالأصوات الأنثوية بشكل أساسي. ثُمَّ يستغرق بضعة أسابيع إضافية حتى يتمكن من سماع الأصوات ذات الطبقة الأدنى والأكثر رخامة، مثل صوت الأب. ولكن بمجرد أن يتمكن من سماع تلك الأصوات، سيتذكرها على الدوام. حتّى وهي في الرحم، تستمتع الأجنة بالاستماع إلى الأصوات الهادئة والنغمات من قبيل الموسيقى الكلاسيكية والألحان الدافئة. يقترح الأستاذ حدّاد: "ولتهدئة الجنين جربي على الدوام استخدام لعب تصدر ألحانا موسيقية أو وسادة مريحة تعزف الموسيقى. ضعيها على بطنك واسترخي. سيتعرف طفلك على اللحن عندما يولد وسيتذكر كم كان يشعر بالهدوء والاسترخاء عند سماعه لها من الرحم." في الأيام الأولى بعد الولادة، سيكون السمع إحدى الطرق الرئيسية التي يحدد بها المولود اختياراته وتفضيلاته، إلى جانب لمس الأشياء.

حاسة الذوق

بحلول الثلاثي الثالث والأخير من الحمل، فإنّ الجنين يتغذى على ما قدره 40 مليلتر من السائل السلوي في الساعة. يتميز هذا السائل عادة بطعم حلو، لكنه قد يصبح أكثر حموضة، مرارة، أو ملوحة، اعتمادًا على ما تتناوله الأم. بالطبع، يتغير الطعم أيضًا إذا تبول الطفل قبل فترة قصيرة. وعليه فمنذ أن يخرج المولود إلى العالم وهو يفضل أساسا الأذواق الحلوة، وهذا هو سبب إعجابهم الشديد بحليب الأم ذي المذاق الحلو. وابتداءً من عمر الثلاثة أشهر، يبدأ المولود باستكشاف محيطه من خلال ادخال الألعاب، والأقمشة، وكلّ ما يمكنه الإمساك به في فمه. ستكون براعم التذوق لديه قد تطورت بشكل جيد بحلول ذلك الوقت، وسيميل إلى رفض أي شيء مالح أو غير مألوف لديه. 

يضيف الأستاذ حدّاد: "يرجى البدء في تقديم الأطعمة التكميلية منذ حوالي الشهر الخامس أو السادس، وعندما تفعلين ذلك، يرجى منح الرضيع وقتًا للتعود على مختلف الأذواق الجديدة. قد يرفض الطفل الوجبة الجديدة في المرة الأولى وحتى الثانية، ولكن بحلول المرة الثالثة قد يكون أكثر استعدادًا لتقبلها، لذا يرجى التحلّي بالصبر في هذا الخصوص."

يوصي الخبراء بمحاولة تقديم نكهات جديدة للرضيع حتّى ثماني مرات، ولكن إن استمر في رفض الطعام بعد ذلك، فمن المحتمل أنّ الطعام ليس مقبول المذاق على الأقل بالنسبة له. على الرغم من أننا كآباء وأمّهات نفضل ألا يكون أطفالنا انتقائيّين حين تناولهم للطعام، ولكن في الحقيقة لكلّ شخص تفضيلاته الخاصة حتى الرضع، وقد لا تتطابق تفضيلاتهم مع خطة الوجبات الدسمة والمتكاملة التي نرغب في إطعامهم إيّاها.  

اللمس

عندما نتحدث عن حاسة اللمس، فإنّنا نعني عادةً قدرة فريدة تجمع بين ثلاثة أنواع من الإدراك الحسي: نظام الاستشعار (وهو القوة التي تفكر فيها عادةً باعتبارها "اللمس")، والإدراك الحركي (الذي يتيح للإنسان إدراك حركة الجسم في فضاء معين)، وإحساس التوازن (الذي يضمنه النظام الدهليزي). ومن بين هذه الأنواع الثلاثة يكون نظام الاستشعار أولاها تطورا. إذ يبدأ طفلك في الشعور بمختلف الأشياء عبر جلده بدءًا من الأسبوع الخامس من الحمل تقريبا. وابتداءً من الأسبوع الثالث عشر، سيكون قادرا على إدراك حركة جسمه في الفضاء من خلال أفعال عديدة كمص الإبهام أو اللعب بالحبل السري. كوني متأكدة أنه لن يشعر بالملل على الإطلاق! يعلق الأستاذ حدّاد على هذا قائلا: "سيبدأ جنينك أيضًا في تطوير نظامه الحركي قبل ولادته، إذ سيبدأ بشد عضلاته أو تحريك أطرافه وفهم ما يعنيه ذلك. أمّا عن إحساس التوازن فإنّ تطوره مرتبط ارتباطًا وثيقا بتطور حاسة السمع ويكاد يكتمل خلال فترة الحمل أيضا."

 

وبمجرد قدوم المولود الجديد إلى العالم، سيبدأ في استخدام فمه بشكل أساسي، وخاصة التعرف على الأشياء عبر شفتاه الصغيرتان والحسّاستان. ستستمر هذه العادة لفترة من الزمن حتى يبلغ حَوْلَهُ الثاني ويكتمل نمو نظامه الاستشعاري المماثل لنظام البالغين. لذلك، وحتى بلوغه هذه السن فإنّه بحاجة إلى الكثير من التواصل الجسدي حتى يتمكَّنَ من إدراك وجود أمه أو أبيه بجانبه. لذا يرجى استغلال أيّ فرصة ممكنة للمس رضيعك، سواء كنتِ بصدد إطعامه أو تغيير حفّاضته. جرِّبي أيضا مداعبة بطنه العارية أو ذراعيه وساقيه أيضا وحاولي أن تمنحيه الفرصة الأمثل لإدراك جسمه بنفسه.

البصر

وعلى عكس حاسة السمع، فإنّ حاسة البصر تتطور ببطء عند الرضيع. يشرح الأستاذ حدّاد: "على سبيل المثال، بحلول الثلاثي الثالث من الحمل، يمكن لطفلك بالفعل فتح عينيه والتمييز بين الضوء والظلام في رحمك، ومع ذلك، لن تكتمل حاسة البصر لديه حتى حوالي عيد ميلاده الأول." وأحد الأسباب وراء ذلك يرجع إلى أنّ الدماغ يحتاج إلى وقت طويل لمعالجة الإشارات البصرية التي يتلقاها للتمييز بين الألوان ومتابعة مختلف الحركات. خلال الأشهر الأولى، يرجى أن تبقي بالقرب من طفلك لأنه يستطيع التركيز بشكل أفضل على مسافة حوالي 20 سنتيمترًا فحسب. وفي الحقيقة البقاء بالقرب منه سيمنحه أيضًا الفرصة للتمسك بك ومعالجة أكبر قدر من المعلومات المتأتية من حواسه المختلفة مما يساهم في نموه الذهني والإدراكي بشكل أفضل. في هذه المرحلة يمكنه سماع صوتك، ورؤية شعرك، ووجهك، وتحسسهما.

 

يُحِبُّ طفلك عموما أيضا الألوان الفاقعة مثل اللون الأحمر والأصفر، فضلاً عن التباينات الداكنة والفاتحة. ومع حلول الشهر السادس سيبدأ في تطوير إدراك أعمق بمحيطه وسيكون قادرا على تقييم ما إذا كان بإمكانه الوصول والإمساك بالأشياء من مسافة معينة أم لا حين تحديدها. وبدءًا من الشهر الثامن، سينظر حوله لمعرفة السبب وراء الأشياء التي كانت في مكان معين ثم "اختفت" بفعل فاعل! وبحلول الشهر الثاني عشر ستكون حاسة البصر قد تطورت بشكل كامل عند رضيعك. وعليه عندما يخضع للفحوصات الطبية الروتينية السنوية، سيكون لديك الفرصة لمناقشة متخصص الرعاية الصحية ما إذا كان تطوره يتقدم بشكل طبيعي أم لا.